الدكتور داخل عليه وهراني مكونتش قادرة استحمل الخرطون من وراء
في المستشفى كل يوم بنقول إن الشغل روتين، لحد ما الدكتور كريم بدأ يبصلي بنظرة مختلفة. أول ما دخل الوردية الصباحية وبصلي كده، عيونه اتعلقت في عيوني ثانية زيادة عن اللزوم، حسيت إن في حاجة هتتغير، وفي نفس الوقت قلبي قالي: متوقفيش.
أنا مريم، ستة وعشرين سنة، ممرضة في مستشفى خاص كبير في أسيوط. الشيفتات الطويلة بتخلصني، رجليّ بتحرق، ضهري بيوجعني، ومع ذلك كل ما أقف قدام المراية قبل الشغل أعدل اليونيفورم الأبيض، أحس إن الخامة دي بتحضن جسمي بطريقة... مختلفة. مش سمينة، لا، بس مربربة بطريقة تجذب العين بدون ما أقصد. الخصر الناعم، الوركين اللي بيرسموا منحنى هادي، الصدر اللي بيملى الجاكيت بكل هدوء. أحاول أداريها كويس، ألبس جاكيت واسع شوية، أربط الشعر، أبتسم للمرضى باحترافية، بس أحيانًا ألاحظ نظرات الزملاء أو حتى بعض المرضى اللي بيطولوا في السلام. أقول لنفسي: شغل يا مريم، متفكريش في حاجة تانية.
الدكتور كريم، واحد وتلاتين سنة، وسيم بهدوء، شعره أسود ناعم، عيونه بنية غامقة، وصوته واطي دايمًا زي لو بيهمس للمريض مش بيتكلم. ظاهريًا محترم جدًا، بيحترم التمريض، بيساعد في كل حاجة. أول مرة لاحظته كان في غرفة مريض كبار السن، أنا كنت بغير السرنجة وإيديّ بترتعش من التعب. هو دخل، وقف جنبي، قال بصوته الهادي: «إنتِ كويسة النهاردة يا مريم؟ شكلك تعبانة.» رفعت عينيّ، لقيته بيبصلي مباشرة، مش للمريض. ابتسم ابتسامة خفيفة، ومساعدته في الضماد كانت سريعة ودقيقة. لما إيدينا اتلامست بالغلط وهو بيسلمي الأدوات، حسيت دفء جلده يعدي لي في ثانية. قلبي خفق خفقة واحدة قوية، وبعدين رجع يهدى. قلت لنفسي: ده دكتور، وأنا تحت إيده، خلاص يا مريم.
بس النظرة دي ما راحتيش. في الأسابيع اللي بعدها، الجذب بدأ يبني نفسه زي قطرة قطرة. كل ما أدخل الغرفة وهو موجود، يبتسم الابتسامة الصغيرة دي، اللي بتقول «أنا عارف إنك موجودة». في مرة، كنت بقيس الضغط لمريضة، وقف جنبي أوي، أوي جدًا، عشان يشرح الحالة. كتفه لمس كتفي بالغلط، وأنا حسيت حرارة جسده تنتشر في الجو البارد بتاع المستشفى. أنفاسه كانت قريبة، هادية، بس متقطعة شوية. ما قالش حاجة، بس لما خلص، قال: «شكرًا يا مريم، أنتِ بتسهلي الشغل عليّ.» صوته كان واطي، زي لو بيقول حاجة أكبر من الكلام.
بعد كده الرسائل بدأت. أولها مهنية جدًا: «التقرير بتاع المريض رقم ٧ جاهز؟» بس في التلاتة بعد منتصف الليل، رسالة جات: «إنتِ كويسة؟ الشيفت النهاردة كان طويل.» رديت باختصار، بس قلبي دق أسرع. بعد أسبوعين، اعترف في رسالة: «بحس براحة لما أكون موجودة في الوردية معاكي. الجو بيختلف.» أنا قرأتها مرتين، وقفلت التليفون بسرعة. جوايا صراع: ده غلط، هو دكتور وأنا ممرضة، لو حد عرف هيبقى فضيحة في أسيوط كلها. بس الفضول كان بيزيد. كل ما أشوفه في الممر، أحس بدفء غريب ينتشر في جسمي المربرب، في المنحنيات الناعمة دي اللي بتتحرك مع كل خطوة. أقول لنفسي: إيه اللي بيحصل؟ أنا ليه مش قادرة أبعد؟
التوتر تصاعد ببطء شديد، زي نار تحت الرماد. لمسة يده وهو بياخد الملف مني، وقوفه قريب أوي لما بنناقش حالة، كلامه الليلي في نهاية الشيفت: «روحي ارتاحي، بكرة يوم جديد.» وكل مرة أحس إن في حاجة بتتراكم، صمت يطول بيننا في الممر الخالي، نظراته اللي بتقول أكتر من أي كلمة. أنا كنت بأتجنب، بس قلبي كان بيخوني. كل ما أقرب منه، أحس إن جسمي بيذوب شوية شوية، الرعشة الخفيفة دي في صدري، الدفء اللي بيملى الخصر.
الليلة اللي غيرت كل حاجة كانت شيفت ليلي طويل، المستشفى هادي جدًا بعد منتصف الليل. مريض واحد بس في الجناح، والدكتور كريم كان محتاج يراجع ملفات في مكتبه. دعاني أدخل عشان أساعده في حاجة سريعة. الإضاءة خافتة، صوت أجهزة المراقبة بعيد، ريحة المطهرات مختلطة بريحة عطره الخفيف، ريحة خشب وشيء دافئ. قعدت جنبه على الكرسي، والكلام بدأ يطول. حكى عن تعبه، عن إن الشغل بيخليه يحس بالوحدة أحيانًا. أنا قلت له عن الشيفتات اللي بتقتلني. فجأة، وقف، وقال بصوت هامس: «تعالي، أنتِ تعبانة أوي النهاردة.»
وبدون ما أفكر، لف ذراعه حوالين كتافي في حضن «مريح»، بحجة إنه يهدي التوتر. جسده كان قريب جدًا. حرارة صدره انتقلت لجسمي المربرب، الخصر الناعم ده حس بالضغط الخفيف بتاع إيده. أنفاسه على شعري، متقطعة، وأنفاسي أنا كمان. ما تحركتش، بس قلبي كان بيدق بجنون. صمت ثقيل مليان معاني، ثقيل جدًا. إيده نزلت شوية على ظهري، لمسة طويلة، حرارة جلده بتعدي من خلال اليونيفورم. حسيت جسمي بيستسلم تدريجيًا، الرعشة الخفيفة في الوركين، الدفء المنتشر في كل منحنى. عيوننا اتشابكت في الضوء الخافت، نظرة طويلة مشحونة، بتقول كل حاجة وما بتقولش حاجة. القرب ده كان خطير، ممنوع، بس في اللحظة دي حسيت إني عايزة أذوب فيه أكتر.
بعد دقايق، بعدنا عن بعض ببطء. إيده لمست إيدي ثانية، وهو قال بصوت مكسور: «مريم... أنا آسف.» أنا هزيت رأسي، بس جوايا عاصفة.
الصبح، الذنب ضربني زي صاعقة. في الممر، كل ما أشوفه، أحس بالخوف من الفضيحة، من إن حد يلاحظ، من إن الشغل يتدمر. قررت نبعد، قلت له في رسالة: «الأفضل نركز في الشغل بس.» هو رد بكلمة واحدة: «تمام.» بس في اليومين اللي بعدها، كل ما نقابل في الممر، عيوننا بتتقابل ثانية، وفيها حنين وفضول ووعد إن الحكاية مش خلصت. أنا لسه بحس بالدفء ده في جسمي كل ما أفتكر اللحظة، والصراع جوايا لسه بيزيد: هل هقدر أبعد فعلاً؟ ولا القلب ده هياخدني لمكان أنا نفسي أروحه؟
الروتين رجع، بس مش زي الأول. دلوقتي كل يوم في المستشفى، أنا بعرف إن في نظرة واحدة هتغير كل حاجة تاني. وأنا... مش عارفة لو عايزة أوقفها ولا لأ.
اترك تعليقا: